أحمد بن الحسين البيهقي

104

شعب الإيمان

البراءة من قول القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة . فأما البراءة بإثبات الباري جلّ ثناؤه والاعتراف له بالوجود من معاني التعطيل ، فلأنّ قوما ضلّوا عن معرفة اللّه جلّ ثناؤه ، فكفروا وألحدوا ، وزعموا أنه لا فاعل لهذا العالم ، وأنه لم يزل على ما هو عليه ، ولا موجود إلا المحسوسات ، وليس وراءها شيء ، وأنّ الكوائن والحوادث إنما تكون ، وتحدث من قبل الطّبائع التي في العناصر - وهي الماء والنّار والهواء والأرض . ولا مدبّر للعالم ، يكون ما يكون باختياره وصنعه . فإذا أثبت المثبت للعالم إلها ، ونسب الفعل والصّنع إليه ، فقد فارق الإلحاد والتعطيل ، وهذا أحسن مذاهب الملحدين ، والقائلون به يسميهم غيرهم من أهل الإلحاد : الفرقة المتجاهلة ، ويدعونهم غير الفلاسفة . أما البراءة من الشرك بإثبات الوحدانية فلأنّ قوما ادّعوا فاعلين ، فزعموا أن أحدهما يفعل الخير ، والآخر يفعل الشرّ . وزعم قوم أن بدء الخلق كان من النفس ، إلا أنه كان يقع منها لا على سبيل السّداد والحكمة ، فأخذ الباري على يدها وعمد إلى مادة قديمة كانت موجودة معه لم تزل ، فركّب منها هذا العالم على ما هو عليه من السداد والحكمة . فإذا أثبت المثبت أن لا إله إلا اللّه ، واحد ولا خالق سواه ، ولا قديم غيره فقد انتفى عن قول الشريك الذي هو في البطلان ووجوب اسم الكفر لقائله كالإلحاد والتعطيل . وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض ، فلأنّ قوما زاغوا عن الحق ، فوصفوا الباري - جلّ وعزّ - ببعض صفات المحدثين . فمنهم من قال : إنه جوهر . ومنهم من قال : إنه جسم . ومنهم من أجاز أن يكون على العرش قاعدا ، كما يكون الملك على سريره . وكلّ ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك .